عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
34
اللباب في علوم الكتاب
قال شهاب الدين : « وجواب هذا الردّ واضح وليت أبا القاسم لم يذكر تخريج هذه القراءة ؛ لكي نسمع ما يقول هو » . والجمهور على ضم الفاء - من أنفسهم - أي : من جملتهم وجنسهم ، وقرأت عائشة ، وفاطمة والضّحّاك ، ورواها أنس عنه صلى اللّه عليه وسلم بفتح الفاء « 1 » ، من النفاسة - وهي الشرف - أي : من أشرفهم نسبا ، وخلقا ، وخلقا . وعن علي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنا أنفسكم نسبا ، وحسبا ، وصهرا » « 2 » وهذا الجارّ يحتمل وجهين : الأول : أن يتعلق بنفس « بعث » . الثاني : أن يتعلق بمحذوف ، على أنه وصف ل « رسولا » فيكون منصوب المحل ، ويقوي هذا الوجه قراءة فتح الفاء . فصل في المراد ب « أنفسهم » قيل : أراد به العرب ؛ لأنه ليس حيّ من أحياء العرب إلا وقد ولد صلى اللّه عليه وسلم وله فيهم نسب ، إلا بني تغلب ، لقوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [ الجمعة : 2 ] . وقال آخرون : أراد به جميع المؤمنين . ومعنى قوله : « من أنفسهم » أي : بالإيمان والشفقة ، لا بالنسب ، كقوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] . ووجه هذه المنّة : أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم يدعوهم إلى ما يخلّصهم من عقاب اللّه ، ويوصلهم إلى ثواب اللّه ، كقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] وأيضا كونه من أنفسهم لأنه لو كان من غير جنسهم لم يركنوا إليه . وخص هذه المنة بالمؤمنين لأنهم المنتفعون بها ، كقوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . فصل فصل [ في تفسير معنى الآية ] قال الواحدي : المنّ - في كلام العرب - بإزاء معان : أحدها : الذي يسقط من السماء ، قال تعالى : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [ البقرة : 57 ] . ثانيها : أن تمنّ بما أعطيت كقوله : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] . ثالثها : القطع ، كقوله : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [ الانشقاق : 25 ] وقوله : وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ [ القلم : 3 ] .
--> ( 1 ) انظر : البحر المحيط 3 / 109 ، 110 ، والدر المصون 2 / 251 . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 294 ) وعزاه لابن مردويه عن أنس بن مالك مرفوعا .